خطبة الجمعة المذاعة والموزعة
بتاريخ 26من جمادى الأولى 1448هـ الموافق 11/6/ 2026م
الدُّعَاءُ آدَابُهُ وَمَوَانِعُهُ
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ ونَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ " [آل عمران:102].
أَمَّا بَعْدُ:
فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كَلَامُ اللهِ تَعَالَى، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ r، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُها، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:
إِنَّ أَلْصَقَ الصِّفَاتِ بِالْإِنْسَانِ أَنَّهُ عَبْدٌ لِلَّهِ ومَرْبُوبٌ لِمَوْلَاهُ، يَتَعَلَّقُ قَلْبُهُ بِهِ فِي كُلِّ طَرْفَةِ عَيْنٍ وَنَفَسِ نَفْسٍ؛ إِذِ الْعَبْدُ يَحْتَاجُ إِلَى رَبِّهِ فِي كُلِّ سَاعَاتِهِ وَأَوْقَاتِهِ، وَحَرَكَاتِهِ وَسَكَنَاتِهِ، وَالرَّبُّ جَلَّ فِي عُلَاهُ فِي غِنًى عَنْ عِبَادِهِ، وَلَمَّا كَانَ الْعَبْدُ ضَعِيفاً فَقِيراً إِلَى مَوْلَاهُ، جَعَلَ اللَّهُ سُؤَالَ الْعَبْدِ رَبَّهُ مِنْ تَمَامِ عُبُودِيَّتِهِ وَرِضَاهُ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَلُوذَ بِبَابِ رَبِّهِ، وَيَنْكَسِرَ لَهُ بِالْعُبُودِيَّةِ بِرُوحِهِ وَقَلْبِهِ، وَهُنَا شُرِعَ رَفْعُ الْيَدَيْنِ بِالدُّعَاءِ، وَاطِّرَاحُ الْقَلْبِ بِالثِّقَةِ وَالرَّجَاءِ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ" [الرعد: ٢٨]. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ: (فَفِي الْقَلْبِ شَعَثٌ، لَا يَلُمُّهُ إِلَّا الْإِقْبَالُ عَلَى اللَّهِ، وَفِيهِ وَحْشَةٌ، لَا يُزِيلُهَا إِلَّا الْأُنْسُ بِهِ فِي خَلْوَتِهِ).
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:
إِنَّ مِنْ أَجَلِّ الْعِبَادَاتِ وَأَعْظَمِ الْقُرُبَاتِ وَالطَّاعَاتِ: الدُّعَاءَ، فَهُوَ سِلَاحُ الْمُؤْمِنِ فِي الشِّدَّةِ وَالرَّخَاءِ، وَعُدَّتُهُ إِذَا عَظُمَ الْخَطْبُ وَنَزَلَ الْكَرْبُ، وَرَبُّ الْعَالَمِينَ يُحِبُّ الْمُلِحِّينَ، وَيُعْطِي السَّائِلِينَ وَيُجِيبُ دَعْوَةَ الْمُضْطَرِّينَ؛ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: " وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ " [البقرة: ١٨٦]، وَكُلَّمَا عَظُمَتْ عِنَايَةُ الْعَبْدِ بِالدُّعَاءِ؛ عَظُمَ شَأْنُهُ عِنْدَ رَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ؛ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t عَنِ النَّبِيِّ r قَالَ: «لَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَمَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الدُّعَاءِ». [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ الْأَلْبَانِيُّ]. فَيَا مَنْ نَزَلَتْ بِهِ الْخُطُوبُ، وَاسْتَحْكَمَتْ فِيهِ حَلَقَاتُ الْكُرُوبِ، وَيَا مَنْ أَعْيَتْهُ الْحِيَلُ وَانْقَطَعَتْ بِهِ السُّبُلُ، يَا مَنْ يُرِيدُ زَوَالَ الْغُمُومِ وَرَفْعَ الْهُمُومِ؛ ارْفَعْ قَضِيَّتَكَ مِنَ الْأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ، وَمُدَّ يَدَيْكَ وَأَلِحَّ عَلَى رَبِّكَ بِالدُّعَاءِ، فَحَرِيٌّ أَنْ يَسْتَجِيبَ اللَّهُ دُعَاءَكَ، وَيُحَقِّقَ لَكَ مُرَادَكَ وَرَجَاءَكَ، فَكَمْ مِنْ مِحْنَةٍ رُفِعَتْ بِالدُّعَاءِ، وَكَمْ مِنْ مُصِيبَةٍ كَشَفَهَا اللَّهُ بِالرَّجَاءِ.
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ:
إِذَا كَانَ الدُّعَاءُ عِبَادَةً؛ فَإِنَّ لَهُ آدَاباً تَقْتَضِي الْإِجَابَةَ، وَضَوَابِطَ يُرْتَجَى بِمُرَاعَاتِهَا الْإِصَابَةُ، أَلَا وَإِنَّ مِنْ آدَابِ الدُّعَاءِ: أَنْ يَسْتَشْعِرَ الدَّاعِي أَنَّهُ فِي عِبَادَةٍ عَظِيمَةٍ، وَفِي مَنْزِلَةٍ مِنَ الْقُرُبَاتِ وَالطَّاعَاتِ كَرِيمَةٍ، فَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ r قال: «الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ»، ثُمَّ قَرَأَ: " وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ" [غافر: ٦٠]. [ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ].
وَمِنْ تِلْكَ الْآدَابِ: أَنْ يَكُونَ الدَّاعِي مُتَطَهِّرًا، وَأَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ مُنْكَسِرًا، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ t أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ: «ائْتُونِي بِوَضُوءٍ»، فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ قَامَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، ثُمَّ دَعَا r. [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ]. وَمِنْ آدَابِ الدُّعَاءِ: أَنْ يَبْدَأَ بِحَمْدِ اللَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَتَمْجِيدِهِ، ثُمَّ يُصَلِّيَ وَيُسَلِّمَ عَلَى رَسُولِهِ r، ثُمَّ يَلِجَ فِي طَلَبِ حَاجَتِهِ وَمَسْأَلَتِهِ؛ فَعَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ t عَنِ النَّبِيِّ r، أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَدْعُو فَلَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ r، فَقَالَ النَّبِيُّ r: «عَجِلَ هَذَا»، ثُمَّ دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِتَحْمِيدِ اللَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ لْيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ r، ثُمَّ لْيَدْعُ بَعْدُ بِمَا شَاءَ» [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ].وَمِنْ تِلْكَ الْآدَابِ: رَفْعُ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الدُّعَاءِ؛ فَعَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ t عَنِ النَّبِيِّ r قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ كَرِيمٌ، يَسْتَحْيِي إِذَا رَفَعَ الرَّجُلُ إِلَيْهِ يَدَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا خَائِبَتَيْنِ» [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ].
أَيُّهَا الْمُبَارَكُونَ:
وَمِنْ آدَابِ الدُّعَاءِ: أَنْ يَكُونَ بِقَلْبٍ خَاشِعٍ وَجَسَدٍ خَاضِعٍ، مَعَ يَقِينٍ صَادِقٍ فِي دُعَائِهِ؛ بِكَرَمِ رَبِّهِ وَعَظِيمِ عَطَائِهِ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r: «ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالْإِجَابَةِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لَاهٍ» [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ الْأَلْبَانِيُّ]. وَمِنْ تِلْكَ الْآدَابِ: أَنْ يُقَدِّمَ الْمُسْلِمُ قَبْلَ دُعَائِهِ عَمَلًا صَالِحًا، فَمَا أَرْجَى إِجَابَةَ الدُّعَاءِ بَعْدَ قُرْبَةٍ أَدَّاهَا، أَوْ صَدَقَةٍ فِي ظَلَامِ اللَّيْلِ أَعْطَاهَا، أَوْ حَاجَةٍ لِمُسْلِمٍ قَدْ قَضَاهَا، أَوْ جُرْعَةِ غَيْظٍ قَدْ تَحَمَّلهَا وَأَطْفَأَ لَظَاهَا. وَمَا أَجْمَلَ أَنْ يَحْرِصَ الْمَرْءُ فِي دُعَائِهِ عَلَى الْأَدْعِيَةِ الْمَأْثُورَةِ، وَأَنْ يَبْتَعِدَ عَنِ الْأَدْعِيَةِ الْمُتَكَلَّفَةِ الْمَسْجُوعَةِ، فَالْمَأْثُورُ أَعْظَمُ بَرَكَةً وَأَوْفَرُ نُورًا، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ r يَسْتَحِبُّ الْجَوَامِعَ مِنَ الدُّعَاءِ، وَيَدَعُ مَا سِوَى ذَلِكَ». [رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ]. وَحَرِيٌّ بِالْعَبْدِ الْمُوَفَّقِ أَنْ يَتَحَرَّى سَاعَاتِ الْإِجَابَةِ؛ كَالدُّعَاءِ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ، وَفِي الثُّلُثِ الْأَخِيرِ مِنَ اللَّيْلِ، وَسَاعَةِ الْجُمُعَةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوه إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخطبة الثانية
الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَإِخْوَانِهِ.
أَمَّا بَعْدُ:
فَاتَّقُوا اللَّهَ -عِبَادَ اللَّهِ- فَإِنَّ فِي تَقْوَاهُ سَعَادَةً لِلْعِبَادِ، وَهِيَ خَيْرُ مَا يُتَزَوَّدُ بِهِ لِيَوْمِ الْمَعَادِ، " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ" [الحشر:18].
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:
كَمَا أَنَّ لِلدُّعَاءِ آدَابًا وَأَسْبَابًا، فَإن له مَوَانِعَ وَعَوَائِقَ تَحُولُ دُونَ إِجَابَتِهِ، فَمِنْ ذَلِكَ: أَكْلُ الْحَرَامِ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r: « ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ، أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ]. فَأَطِبْ يَا عَبْدَ اللَّهِ مَطْعَمَكَ وَمَشْرَبَكَ وَمَسْكَنَكَ وَمَلْبَسَكَ، وَاحْذَرِ الْغِشَّ وَالْكَذِبَ وَالتَّزْوِيرَ، وَجَانِبِ الرِّبَا وَالرِّشْوَةَ وَالْغَصْبَ وَالتَّغْرِيرَ، فَإِنَّ مَصِيرَهَا النَّارُ وَغَضَبُ الْجَبَّارِ، وَأَيُّمَا عَبْدٍ نَبَتَ لَحْمَهُ مِنْ سُحْتٍ أَوْ حَرَامٍ فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ.
وَمِنْ تِلْكَ الْمَوَانِعِ: أَنْ يَكُونَ الدَّاعِي غَيْرَ عَازِمٍ فِي مَسْأَلَتِهِ، فَيَقُولَ فِي دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ، فَعَنْ أَنَسٍ t قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r: «إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلْيَعْزِمِ الْمَسْأَلَةَ، وَلَا يَقُولَنَّ: اللَّهُمَّ إِنْ شِئْتَ فَأَعْطِنِي، فَإِنَّهُ لَا مُسْتَكْرِهَ لَهُ» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ]. وَمِنْها: أَنْ يَسْتَبْطِئَ الدَّاعِي إِجَابَةَ دَعْوَتِهِ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ: «يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ، يَقُولُ: دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ]. وَلِهَذَا لَا يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يَسْتَعْجِلُ فِي اسْتِجَابَةِ الدُّعَاءِ، وَالدَّاعِي هُوَ الْفَائِزُ وَالظَّافِرُ فِي جَمِيعِ حَالَاتِهِ، فَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ t أَنَّ النَّبِيَّ r قَالَ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ، وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ، إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ بِهَا إِحْدَى ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ تُعَجَّلَ لَهُ دَعْوَتُهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا». قَالُوا: إِذًا نُكْثِرَ، قَالَ: «اللَّهُ أَكْثَرُ». [رَوَاهُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ]. وَمِنْ مَوَانِعِ الدُّعَاءِ: تَرْكُ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَعَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ r قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْهُ، ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ» [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ].
عِبَادَ اللَّهِ:
إِنَّهُ لَحَرِيٌّ بِمَنْ تَوَافَرَتْ فِيهِ أَسْبَابُ إِجَابَةِ الدُّعَاءِ وَتَخَلَّفَتْ مَوَانِعُهُ: أَنْ يَسْتَجِيبَ اللَّهُ دُعَاءَهُ، وَيُحَقِّقَ لَهُ رَجَاءَهُ؛ فَإِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَبِالْإِجَابَةِ جَدِيرٌ، وَإِنَّ الدُّعَاءَ الَّذِي تَحَقَّقَتْ شُرُوطُهُ وَانْتَفَتْ مَوَانِعُهُ لَا يَكَادُ يُرَدُّ أَبَدًا. فَأَنْزِلُوا بِاللَّهِ حَاجَاتِكُمْ، وَأَلِحُّوا عَلَيْهِ بِدَعَوَاتِكُمْ؛ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ قَرِيبٌ مُجِيبٌ.
اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى حَمْلِ الأَمَانَةِ، وَجَنِّبْنَا الْغَدْرَ وَالْخِيَانَةَ، اللَّهُمَّ اكْفِنَا بِحَلاَلِكَ عَنْ حَرَامِكَ، وَأَغْنِنَا بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ. اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الإِيمَانَ وَزَيِّنْهُ فِي قُلُوبِنَا، وَكَرِّهْ إِلَيْنَا الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ، وَاجْعَلْنَا مِنَ الرَّاشِدِينَ، اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِينَ، وَأَرْغِمِ النِّفَاقَ وَالْمُنَافِقِينَ، وَانْصُرْ دِينَكَ وِكِتَابَكَ وَسُنَّةَ نَبِيِّكَ r وَعِبَادَكَ الْمُؤْمِنِينَ. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ، اللَّهُمَّ اسْقِنَا الْغَيْثَ وَلَا تَجْعَلْنَا مِنَ الْقَانِطِينَ، اَللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا، مَرِيئًا مَرِيعًا، نَافِعًا غَيْرَ ضَارٍّ، عَاجِلًا غَيْرَ آجِلٍ، اَللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اَللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اَللَّهُمَّ أَغِثْنَا، وَوَفِّقِ - اللَّهُمَّ - أَمِيرَنَا وَوَلِيَّ عَهْدِهِ لِهُدَاكَ، وَاجَعَلْ أَعْمَالَهُمَا فِي طَاعَتِكَ وَرِضَاكَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً مُطْمَئِنًّا سَخَاءً رَخَاءً، دَارَ أَمْنٍ وَإِيمَانٍ وَسَائِرَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ.
لجنة إعداد الخطبة النموذجية لصلاة الجمعة